2015-05-07 23:43:46

بدر اسماعيل شيروكي/ في السابق، حينما كنت اقصد بغداد من حين لاخر، ومؤخرا عبر الشبكة العنكبوتية (الانترنت)، كان هنالك صوت مألوف يمس شغاف قلبي، ويأسرني ويشدني اليه، الى حد اني كنت أرى أنه من واجبي ان أتفقده وأتابعه على نحو دائم.

[caption id="" align="alignleft" width="200"]بدر اسماعيل شيروكي بدر اسماعيل شيروكي[/caption]

ذلك الصوت المألوف، كان يسمى راديو شفق، وفي تلك الاوقات؛ وعندما كنا نقترب من تخوم بغداد رويدا رويدا، كنا نتلهف للبحث عن هذا الصوت، الذي كان وسط ظلمة مدينة غارقة في الغدر والطائفية والانفجارات، ينشدنا بلكنة كوردية محلية محببة ناعمة دافئة: اهلا وسهلا بكم (رادیۆ شه فەق هاوەلدان = معكم راديو شفق).. في تلك الاحيان، ومع الخوف والقلق والغربة كنا نتلقّى احساسا يمنح الطمأنينة والهدوء، وكأننا نعود الى مدينة وديار الاباء والاجداد.

تلك البيئة القاسية والخطيرة التي كان راديو شفق يعيش فيها ويرعى الأدب والثقافة واللغة الكوردية فيها، كان دوما بالنسبة لي مبعث العجب وفي الوقت نفسه الصوت الكوردي الوحيد وسط خضم هائل ومضطرب من الموجات المغناطيسية المتنافرة في جبهات من الاذاعات والفضائيات العربية في بغداد، كان يمارس واجبا مهما وتاريخيا في اعادة احياء وانقاذ جزء من جسد اللغة الكوردية من الهلاك والفناء، من دون ان يحظى بالاهتمام المناسب او التقييم والتقدير من قبل السلطة السياسية او حتى التقدير من جانب الاعلام الكوردي في اقليم كوردستان.

من المؤسف ان نظرة القيادة والاعلام الكوردي الذي كان يعكس فقط صوت الاطراف السياسية الكوردية تجاه الكورد الساكنين في بغداد (الفيليين)، كانت نظرة سياسية بحت وليست نظرة قومية، لذا خلقت الابعاد والمسافات والجغرافيا مع عدم الفهم في العمق الستراتيجي، فجوة عميقة وواسعة تتسع يوما بعد يوم.

في هذه المسألة من الواضح ان القضايا والموضوعات كلها واضحة للعيان، ومن الواضح ان الاقليم ينظر الى قضية الكورد الفيليين من خلال تكتيكات صناديق الاقتراع والحراك السياسي في العاصمة العراقية، لا كجزء من جسد امة يجب ان يراعيها في كل الاوضاع ويضمد جراحها على الدوام. لذا فان مصير وحظوظ واقدار هذا الجزء من الكورد كان يحسب له بحسب ما تفصح عنه صناديق الاقتراع مع النظرة الحزبية التي فرضت مكانتها ايضا.

برأيي ان النظرة والخطط طويلة الامد للسلطة السياسية في الاقليم تجاه الاجزاء المنقطعة عن القومية الكوردية اذا لم تجرَ عليها تغييرات ايجابية وتحركا عاجلا وواضحا في اطار مشروع قومي لا كاعلان تجاري ولا كدعاية سياسية شفاهية ولم يتم ترويجها وتنفيذها، فان الفجوة وخطوط الانقطاع ستشمل ليس الفيليين فقط بل ستشمل باقي اجزاء الكورد من اتباع الاقليات الدينية واللهجوية.

هل يستطيع اصحاب السلطة بعث الطمأنينة بانه، اذا ما تهدمت تلك المناطق والمَواطِن والاعماق الحساسة للكورد خارج الاقليم، فهم يستطيعون اعادة بنائها؟

ان اعادة اعمار وتأهيل تلك القلاع والجذور الضاربة في الاعماق التي هي نتاج تاريخ من صمود مئات السنين لتضحيات باللحم والعظم والدماء من ابناء امة تسري عليها جميع اطر القوانين الانسانية التي تدرس ظهور واضمحلال المجتمعات والحضارات، فهم ليسوا بآثارٍ تستطيع (اليونسكو) ترميمها واعادة بنائها بتسلم مبلغ من المال.

مثلما لم يدرك كورد الاقليم حجم ما قامت به مؤسسة شفق في السنوات الاثنتي عشر المليئة بالمآسي في فضاء ملء بالنار والدم والمذابح في بغداد بكل تضحية ونكران ذات، فان كورد الاقليم ليسوا مدركين لما يحدث لشفق من خمود الصوت وانقطاع النَفَس الكوردي الوحيد في بغداد.

ومن المؤسف ان حكومة اقليم كوردستان لم تستطع المحافظة على الاذاعة الكوردية الوحيدة خارج الافليم في تلك المدينة التي تطالب فيها بحقوق قومية كاملة.

ترجمة: ماجد سوره ميري

YesIraq
}