2016-01-11 11:38:10
د. مؤيد عبد الستار/ صدر في ايران كتاب الكاتبة الكردية زهراء حسيني بعنوان (  دا )   اماه ، والكلمة هي نداء الابناء لامهم ، تقابل ماما في العربية ،  وهي مختصر دالكة او دايكه ، استخدمته الكاتبة عنوانا لكتابها الذي ذاعت شهرته بايران وطبع اكثر من 150 طبعة وبالاف النسخ . اقدم  لمحة من الفصل الاول والثاني للكتاب بترجمة موجزة ، لما للكتاب من اهمية كون السيدة زهراء حسيني كانت من اسرة  كردية تسكن البصرة وانتقلت بسبب الظروف السياسية الى ايران . تروي  زهراء حسيني  خواطرها باللغة الفارسية ، واختارت الكلمة الكردية دا عنوانا لكتابها  الذي  حررته الكاتبة السيدة اعظم حسيني . ترجمة موجزة عن الفارسية  للفصلين الاول والثاني بسبب نشاطه السياسي نادرا ما كان ابي يعود الى البيت ، زياراته متباعدة ، ولكن هذه المرة طالت غيبتة . كنا  نعيش في مدينة البصرة ، نسكن حي الرباط على ضفاف دجلة ، محلة محاطة بالبساتين والنخيل . كان الجيران يسألون امي عن والدي فتجيبهم انه يعمل في القرنة ، وبسبب بعد المدينة فانه  نادرا ما يزورنا . محلتنا فقيرة ، لا كهرباء فيها ، نستخدم (لالة) فانوس نفطي  للاضاءة ،  بينما كان بيت عمي في محلة العشار يضاء بالمصابيح . حين نذهب اليهم نرى اسواق العشار والدكاكين مضاءة وكأن الليل نهارا . في مدينة البصرة كنت اتكلم العربية بطلاقة ، كذلك كانت امي تجيد العربية ، حين تتكلم بها لا احد يعرف انها  كردية ، حتى ملابسها كانت مثل الملابس العربية ،  ترتدي عصابة على الرأس وعباءة سوداء ، ولكننا  نناديها  بالكلمة الكردية - دا - وهي تقابل ماما العربية . كان اغلب سكان محلتنا يعملون مثل والدي في صناعة و  بيع اكياس الطحين ( الكواني ) او عمالا في الميناء . في البيت كانت والدتي تعد الطعام على البريمس - طباخ نفطي -  كان طعاما لايختلف عن الطعام المألوف في المنطقة ، يتكون عادة من السمك الصبور ومرق البامية ، احيانا كانت تردنا  بعض المواد الغذائية هدية من الاقارب في ايران ، مثل الترخينة والسمن الحيواني - دهن حر - فيكون طعامنا له نكهة عيلامية. والدي من مواليد عام 1947 م ، يصغر امي بثلاث سنوات ، كان يلعب رياضة الزورخانة بعد الصلاة ،  يلعب بالميل -  اداة من خشب على شكل مخروطي - ويردد الاشعار الحماسية ، وحينما كان يرد اسم الامام علي في الشعر يردد الصلوات بصوت مرتفع . بعد الصلاة كان يفتح الراديو ، الراديو يفتح فقط حين يكون هو في المنزل ، عدا ذلك لا احد يقترب منه ، كانت له زاوية خاصة . فيما بعد اشترى والدي راديو اكبر ، كان يأخذ وقتا اطول حتى يبدأ البث ، كان يقول : يجب ان تحمي لمباته . طال غياب ابي عن البيت ، وخضع بيتنا لمراقبة الامن السري ، ثم جاءوا يسألون عن ابي ، فالقوا القبض على عمي الذي كان يسكن جوارنا ، طلبوا منه معلومات عن مكان ابي ، فاخبرهم انه لا يعرف اي شيء عنه ، اطلقوا سراحه بعد ايام قليلة ، قال ان جميع الاحداث هي  بسبب صدام ، وان احمد حسن البكر لا يحكم ، ليس بيده شيء، صدام شمر ابن شمر . كانت في بيتنا صورة للسيد محسن الحكيم مرسومة  في صحن معلق على الجدار ، اشار اليه بيده وقال ان صدام لم يرحم هذا السيد فكيف بنا نحن . بعد ذلك علمنا ان ابي اعتقل في خانقين وهو مسجون هناك بتهمة التجسس لصالح ايران . كنت دائمة السؤال لامي : دا .. متى نرى بابا ؟ ترد علي : انشوفه انشاء الله . اخيرا في يوم ربيعي من عام  1968 م  اخذتني امي مع اخي علي لرؤية ابي . كان من عادة الناس السير على اقدامهم ، ولكن لان المسافة بعيدة ركبنا السيارة . اول مرة اركب فيها السيارة ، سيارة قديمة  طويلة لونها مثل الماء ، على غير عادتها كانت امي مضطربة ، سألتها : نشوف بابا !! هزت رأسها بالايجاب ولم تقل شيئا . بعد ساعات وصلنا خانقين ، توقفت السيارة امام بناية يحرس بابها حارسان مسلحان ، دخلنا الى البناية ، رأيت  فيها غرفا تشبه الاقفاص . التقينا ابي بواحد من  تلك الاقفاص ،  كانت هيئته قد تغيرت ، افزعني  وضعه وحالته ، لم اكن قد تجاوزت الخامسة من عمري يومذاك. لما رأت امي حالته المزرية  اجهشت بالبكاء ، ثم رفعتنا الى اعلى الحاجز الذي بينينا وبين ابي كي يرانا. قبلنا ابي . لما رأى ابي عدم ارتياحنا للموقف ، قال لامي لماذا جئت بالاطفال ؟ لم يكن يرغب ان نراه على هذه الحال. بعد هنيهة قال لامي ، حاولي عدم البقاء هنا ، اذهبي بالاطفال الى بلدنا. لم ينقطع بكائي حين عزمنا على فراق ابي ، فهدأني ومسح بيده فوق رأسي وقال بالكردية : نه كَريو  دالكَه كم ، لاتبكي يا امي . بعد تلك الزيارة ظللت مشغولة البال ، اتساءل : لماذا ابي هنا ؟ لماذا هو في السجن ؟ فهو ليس من الذين يرتكبون افعالا سيئة . واخيرا توصلت الى نتيجة مفادها ان ابي برئ ، ولانه محب للامام علي زجوه  في السجن . فيما بعد  ذهبت امي الى القنصل الايراني في البصرة ، حسب وصية والدي ، وطلبت الموافقة على انتقالنا الى ايران ، كوننا في العراق من التبعية الايرانية ، ولذلك كان سفرنا الى ايران سهلا دون عوائق . غادرنا البصرة الى ايران ، وظلت ذكريات البصرة وبيتنا الجميل والجيران لا تفارق خيالي . لمشاهدة تقرير عن الكتاب اضغط هنا
YesIraq
}