العراق والسعودية: العبور الشاق الى التطبيع

Category: تقارير وتحليلات

Date: 2020-07-17T11:16:49+0000

شفق نيوز/ عندما تحط طائرة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في مطار الرياض، سيكون قد فتح بذلك صفحة جديدة في علاقات، مرتبكة وضرورية في آن واحد، مع المملكة العربية السعودية التي تقترب من بغداد أو تبتعد عنها، برغم جيرتهما الجغرافية، بحسب ما تصيب علاقاتهما عواصف وألغام ومصالح وتقلبات. 

ومما لا شك فيه أن العاصمتين تدركان بشكل واضح أهمية أن تعود المياه الى مجاريها بينهما، فلا القطيعة السعودية الدائمة مفيدة لمصالح الرياض، ولا إظهار التوتر العراقي مع السلطة السعودية، يقدم أي فائدة تذكر للمصالح العراقية. 

ولهذا، فإن استمرار غياب السفير السعودي عبدالعزيز الشمري عن مقر سفارته في بغداد، بمعناه الديبلوماسي الرمزي، لا يخدم الطرفين بالتأكيد، ذلك ان الرياض سبق لها ان قاطعت العراق دبلوماسيا 25 سنة، كتعبير عن موقف سياسي تجاه الحكم والتحولات في بغداد، لكنها اكتشفت متأخرة أن الفوائد التي كان تأمل بها من هذه القطيعة، لم تأت!

ولهذا فإن عبور الكاظمي بطائرته الى الاراضي السعودية، يشكل منعطفا مهما، وهو قد يشاهد بنفسه من الاجواء السعودية، الجدار العازل الممتد مئات الكيلومترات على الحدود العراقية والذي شيده السعوديون في السنوات الماضية قلقا من ظهور "دويلة داعش" الارهابية على اراضي العراق، وما زال يحرسه حتى الان عشرات الآلاف من جنود المملكة. 

اذا هو اجتياز رمزي، لكن الكاظمي لم يكن أول رئيس حكومة عراقية يعبره، لكن ما يميز رئيس الوزراء العراقي الحالي أنه بادر ما أن تشكلت حكومته بايفاد وزير المالية الى المملكة للتعبير عن الرغبة في فتح صفحة جديدة مع الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد محمد بن سلمان. 

صحيح ان هناك حاجة عراقية ملحة للاستفادة من القدرات الاقتصادية والمالية للسعودية بالنظر الى تردي حال الخزينة العراقية والمصاعب الاقتصادية التي يواجهها العراقيون والتي يبدو الكاظمي مصمما على معالجتها، الا ان الحاجة السعودية في المقابل لا تقل إلحاحا وأهمية.

 ويدرك المسؤولون في كواليس القصر الملكي بوضوح ان اضطراب الاوضاع في العراق لا بد ان تنعكس توترا اقليميا وقلاقل السعودية بغنى عنها. كما يدرك المسؤولون السعوديون ان هناك رغبة أميركية واضحة في "احتضان" حكومة الكاظمي ودعمها لابقائها قادرة على ممارسة دورها، ومحاولة تحقيق الإصلاحات والتغييرات التي تعهد بها الكاظمي، والتي ترى واشنطن انها تخدم مصالحها العراقية والاقليمية. ولهذا، فان أي غياب للسعودية عن هذه اللحظة العراقية، قد يبدو ضربا خاطئا في الحسابات السياسية للرياض. 

وهي لحظة ملائمة للمصالح السعودية للتقدم صوب بغداد، وعدم تكرار الحسابات القديمة عندما قررت مثلا الانتظار 25 قبل ان تعيد فتح سفارتها في بغداد في العام 2015، او عندما انتظر وزير الخارجية السعودي 27 سنة لزيارة بغداد في شباط/فبراير العام 2017. 

وبعث الكاظمي إشارة قبل أيام بتوقيعه قرار تشكيل "المجلس العراقي – السعودي"، المكلف تنسيق العلاقات بين بغداد والرياض في مختلف المجالات، هذه الإشارة قد تترجم رغبة في إعطاء أولوية للعلاقة مع المملكة السعودية، التي تشكل أيضا زيارته الخارجية الاولى كرئيس للحكومة. 

ويقول المحلل السياسي السعودي عبدالله العريفج، لوكالة شفق نيوز، إن "السعودية تنظر بتفاؤل للحكومة العراقية ولشخص مصطفى الكاظمي، لانتشال العراق من أزمته الراهنة على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية نحو عراق حر أبي قوي لاستعادة دوره ومكانته الإقليمية والدولية". 

إلا أن تحالف الفتح، بزعامة هادي العامري، لديه موقف مختلف إزاء زيارة الكاظمي الى السعودية. فقد قال القيادي في التحالف، النائب محمد كريم، لوكالة شفق نيوز، ان "زيارة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الى المملكة العربية السعودية، لا نتوقع ان تتعدى المستوى بروتوكولي، ولن تقدم اي شيء جديد". 

وسبق ان ان انتقد مراقبون عراقيون وعودا سعودية لدعم العراق لم يتم الوفاء بها، مثل مشروع بناء المدينة الرياضية الجديدة، وإعادة فتح معبر عرعر الحدودي، واعادة تشغيل خط سكة الحديد بين البلدين. 

وحتى في نيسان/ابريل 2019، قام رئيس الحكومة السابق عادل عبد المهدي بزيارة الرياض برفقة وفد كبير يضم مسؤولين حكومين ونوابا ومحافظين ورجال أعمال. وتم التوقيع على 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين مختلف وزارات البلدين، والتباحث في فتح المنافذ الحدودية.

رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي زار السعودية ايضا، والعديد من المسؤولين العراقيين البارزين على أمل تحقيق اختراق في العلاقات الفاترة مع الرياض. ولعل زيارة السيد مقتدى الصدر في العام 2017، كانت أكثر الزيارات العراقية اثارة للجدل في ذلك الوقت حيث التقى فجأة ولي العهد محمد بن سلمان، قبل الانتخابات العراقية بشهور قليلة. 

وتبحث السعودية دائما على حلفاء محليين لها في العراق وغيره من الدول، لكن سفيرها السابق في بغداد ثامر السبهان اثار توترا لم تكن تحتاج اليه مع العراقيين عندما ادلى بالعديد من التصريحات التي اثارت حنق العديد من العراقيين، وتم سحبه من العاصمة العراقية لاحقا.  

وفي اشارة الى اهتمام المملكة السعودية بدور الكاظمي، قال العريفج اننا "ننظر  باعتزاز بالغ لما يقوم به الكاظمي في احكام السيطرة الامنية على المنافذ العراقية البرية والبحرية بما يحفظ امن العراق، وسلامة دول جواره ويكبح جماح الميليشيات الموالية لإيران وصهرها في منظومة القوى الامنية والعسكرية للدولة العراقية". 

وقال القيادي في تحالف الفتح محمد كريم انه "من الضروري ان تكون للعراق علاقات منفتحة مع كافة الدول، ونتواصل مع الجميع، حتى مع الذين هم بالضد من العراق، من اجل ايصال رسائل اطمئنان لإظهار حسن نية من قبل بغداد والحفاظ على سياسة خارجية متوازنة، حتى لا يكون العراق طرف في الصراعات الاقليمية او الدولية". 

لكن كريم أكد ان "القوى السياسية في البرلمان، ستتابع وتراقب اي اتفاقيات يتم توقيعها بين بغداد والرياض، وسيكون هناك رفض برلماني لأي اتفاق ليس فيه مصلحة العراق والعراقيين، ولا يمكن تمرير اي اتفاق جديد بين البلدين، دون مصادقة مجلس النواب عليه، ولهذا ستكون لنا، موقف ورأي عند انتهاء الزيارة". 

اما العريفج فقد قال ان "السعودية منفتحة على العراق داعمة ومؤيدة، لسياسته التي لا ترتهن للتدخلات والنفوذ الخارجي، والقيادة السعودية تدفع باستثمارات قطاعاتها الاقتصادية في العراق بما يجعل العراق يتجاوز كبوته وتعزيز دور الحكومة العراقية بما يحفظ سيادتها وسلامة أراضيها ونبذ العنف والتطرف والإرهاب وبسط هيبة الدولة العراقية على كامل أراضيها". 

وفي العام الماضي، اثيرت اتهامات سعودية للعراق بانطلاق الهجمات طائرات "الدرونز" الايرانية من أراضيه لضرب منشآت نفطية سعودية، وهي اتهامات نفتها بغداد، بل تردد بقوة ان المسؤولين العراقيين لعبوا دور وساطة سرية بين الرياض وطهران وتبادل رسائل بينهما. 

وبكل الاحوال، فقد كشف وزير المالية العراقي علي عبد الأمير علاوي، عن توقيع عدد من الاتفاقيات خلال زيارة الكاظمي المرتقبة للسعودية، وذلك في حديث لقناة "الحدث" السعودية، قائلا أنه سيتم افتتاح المنافذ مع السعودية قريبا للتبادل التجاري، وإلى وجود فرص كبيرة لاستثمار القطاع الخاص السعودي في العراق.

وفي تصريح لافت، قال علاوي "نسعى لعلاقة قوية مع دول الجوار التي تحترم سيادتنا، ويجب أن يأخذ العراق موقعه السياسي والاقتصادي بعيدا عن سياسة المحاور". 

وكان علاوي نفسه في الزيارة التي كلفه الكاظمي القيام بها في ايار/مايو 2020 الى السعودية، سمع كلاما سعوديا ايجابيا حول الرغبة في دعم العراق من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ال سعود . 

وفي ايار/مايو 2019، قال محافظ الهيئة العامة للاستثمار السعودية إبراهيم العمر، ورئيس اللجنة الاقتصادية والتجارية والتنموية بمجلس التنسيق السعودي العراقي، إن البلدين ناقشا الفرص الاستثمارية في العراق، وذلك على هامش زيارة رئيس عادل عبدالمهدي للسعودية. ولفت إلى أن الصادرات السعودية إلى العراق نمت بأكثر من 70 في المائة، لكنه اعتبر أن الأرقام غير مرضية لحد الآن.