2019-12-27 09:40:56

شفق نيوز/ قبل اسبوع في الاستوديو حيث كان يسجل "البشير شو"، وضع أحمد البشير قبعةً رئاسية داكنة وسترة مغطاة بكمية من الميداليات والجديل الذهبي، وجلس في مكتب مزين بختم رئيس جمهورية البشير.
الجمهورية هي اختراعه بالطبع، لكن العراقيين يعرفون ما يسخر منه. احمد البشير، الصحفي البالغ من العمر 35 عامًا، يناضل من أجل بلده بروح الدعابة. لديه مجموعة من التعبيرات الجريئة والهزلية والملهمة. بحسب تقرير لنيويورك تايمز لكاتبته تينا روزنبيرغ، ترجمته شفق نيوز.
منذ أن بدأ بثه في عام 2014، أصبح برنامج البشير الأسبوعي واحداً من أكثر البرامج شعبية في العراق، ويتم بثه على موقع يوتيوب والتلفزيون الفضائي. في الأسابيع القليلة الماضية، اكتسب العرض أهمية جديدة. حيث يتظاهر الآلاف من الشباب العراقي بطرق لم يسبق لها مثيل في البلاد من قبل. ف"البشير شو" متشابك بعمق مع الاحتجاجات. ويفضح طريقة عمل السلطة في العراق، ويغطي الاحتجاجات ورد الفعل الوحشي للحكومة، ويحث المتظاهرين على الالتزام بالسلام، وتعزيز معنوياتهم. يعتقد البعض في العراق أن الاحتجاجات لن تحدث بدونه.
منذ الأول من أكتوبر، يحتج الشباب في بغداد ومدن أخرى في جنوب العراق، حيث يخيم الآلاف في ميدان التحرير ببغداد منذ 25 أكتوبر.
الاحتجاجات السابقة في العراق كانت بقيادة حزبية وركزت على الكهرباء والوظائف. هذه مختلفة - جذور شعبية حقيقية، بلا قيادة، أقل تحزبية، توحد الأغنياء والفقراء، سني وشيعي، رجال ونساء، يقول محتج ومدون يدعى حيدر حمزوز- وهو أيضًا منظم للشبكة العراقية لوسائل التواصل الاجتماعي، وهي جمعية تضم المدونين والصحفيين- إن حوالي ربع المتظاهرين خلال اليوم من الإناث.
تستهدف الاحتجاجات النظام الذي صممه إلى حد كبير الأمريكيون للعراق في عام 2003. ويقسم النظام الغنائم والرعاية بين مختلف الطوائف الدينية والأحزاب السياسية.
حجة المحتجين - وكذلك حجة احمد البشير - هي أن الحكومة تنشئ هذه الانقسامات للحفاظ على نفسها في السلطة. حتى الآن، أطاحت الاحتجاجات برئيس الوزراء وأدت إلى إصدار قانون انتخابات جديد. لكن لا يوجد رئيس وزراء جديد، وليس من الواضح كيف سيعمل قانون الانتخابات بالفعل. يريد المحتجون أيضًا حكومة جديدة وانتخابًا جديدًا تحت إشراف الأمم المتحدة. إنهم يريدون خروج إيران، الداعم الأجنبي الرئيسي للنظام. شعارهم هو "نريد دولة".
حتى الآن، استجابت الحكومة العراقية بوحشية شديدة وتصرفت دون عقاب. قتلت قوات الأمن والمسلحين الملثمين أكثر من 500 شخص وجرحت الآلاف وخطفت آخرين كثيرين. قالت سهى عودة، صحافية وناشطة عراقية في قضايا المرأة، إن الحكومة تستهدف النساء، "على وجه التحديد اختطاف وقتل المتظاهرات، للضغط على الأسر لمنع النساء من المشاركة". قالت السيدة عودة - وكل من تحدثت إليهم متفقون على ذلك - بين المحتجين لم يكن هناك تقرير واحد عن الاعتداء الجنسي.
قال احمد البشير في عرضه: "يتواجد فتيات وفتيان في نفس المكان ويتعاونون فيما بينهم، من دون أية مضايقة". "انا فخور جدا".
قالت زينب سلبي، وهي ناشطة عراقية أمريكية من أجل حقوق المرأة والسلام: "كانت كل ثوراتنا في السابق بتوجيه حزبي، لكن هذه المرة الأولى التي يقول فيها الناس "نحن مسلمون، وقد انتهينا من الانقسامات". لقد صدمنا جميعًا لأن هذا قد حدث. والدي يبلغ من العمر 77 عامًا، يحدثني وهو يبكي "طوال حياتي لم أر شيئًا كهذا".
يقول احمد البشير في برنامجه، وهو يتحدث إلى المحتجين: "أنت قوي لأنه لا يوجد لديك قائد". "هذا هو صوت الناس. لا أحد يستطيع أن يوقف هذا في أي لحظة. لا أحد يستطيع أن يدعي أنه هو السبب في خروج الناس إلى الشوارع".
أصبح ميدان التحرير مدينته الخاصة. نظم المتظاهرون الأمن والتنظيف، وجهزا تأسيسات الكهربائ، ووفروا الطعام، واماكن الاستحمام والمراحيض ومستشفى صغير ومحطة إذاعية وصحيفة ودروس في التربية المدنية ومكتبة ورعاية طبية، بما في ذلك العلاج النفسي. يعزف المتظاهرون الموسيقى، ويصورون مقاطع الفيديو ويرسمون الجداريات. تعرض شاشة كبيرة ألعاب كرة القدم ومقاطع فيديو YouTube - بما في ذلك، بالطبع، "البشير شو"، تقول صحيفة نيوريورك تايمز.
"البشير شو" عبارة عن ساعة من العرض يقدم من مكتبه، يسخر فيه من التقديس الذي منح لمسؤولين عراقيين، يتطرق للفساد في البلاد، واستخدام الدين لتحقيق مكاسب سياسية. عندما قدم عرضاً في زي رجل دين (بعمامة بيضاء من جانب، وسوداء من الجانب الاخر، للإشارة إلى انتماءات دينية مختلفة)، قال وقتها انه اصبح الان رجل دين، ويجب عليه تشكيل ميليشياته الخاصة.
يبدأ العرض بفيديو لشباب عراقيين يحيون العرض وينتهي في كثير من الأحيان مع احمد البشير وهو يتحدث مباشرة مع المحتجين. قال حمزوز "هو لا يرانا- في ساحات التظاهر- لكننا نلوح له بايدينا".
في أول أسبوع من الاحتجاجات، حيث كان أكثر من 100 شخص قد قُتلوا ، لم يقل احمد البشير أي نكات. وقال "نحن امام مسؤولية كبيرة، "سأعرض مقطع فيديو لشبان يقتلون على يد قناص. ويبدأ بالبكاء".
الآن يعود لاسلوبه المعهود. ويقول "نحن بحاجة إلى إذلال السياسيين". "أنت تقتلنا؟ سنجعل منك اضحوكة".
يقوم احمد البشير الآن بتصوير العرض في نيو هافن، كونيتيكت، حيث كان في زمالة في جامعة ييل. يعمل طاقمه المكون من حوالي 25 شخصًا من بلد طلب مني عدم ذكر اسمه. بسبب الخطر.
يشاهد العراقيون العرض على شاشة التلفزيون الفضائية على قناة دويتشه فيله الألمانية. يتكرر الأمر مرة واحدة يوميًا في أوقات مختلفة لمحاولة مواجهة التشويش الحكومي. يضم العرض أيضًا 3.8 مليون متابع على YouTube باللغة العربية، لكن البشير سجل أيضًا برنامجين قصيرين باللغة الإنجليزية (برنامج مضحك للغاية وواحد رصين) لإطلاع العالم على الاحتجاجات. (قال إن دخله يأتي من البرنامج ومن شركة يملكها وتقوم بإنتاج تلفزيوني آخر.)
نموذج البشير هو جون ستيوارت (مقدم برامج امريكي ساخر)، وتمت مقارنة الاثنين. وفي المقارنة بين الاثنين على عكس البشير، لم يتلق ستيوارت تهديدات بالقتل يوميًا؛ لم يضطر إلى الفرار من بلده؛ لم ير والده وشقيقه وصديقه المفضل وعدد لا يحصى من أفراد الأسرة والأصدقاء ضحية انتحاري.
كان البشير في السابق مراسلاً ومذيلاً ومذيعاً في البرامج الحوارية في العديد من المحطات الإخبارية التلفزيونية العراقية، ثم، في احتفال للنبي محمد في عام 2011، فجر انتحاري نفسه حيث يتواجد احمد وقتها يقول، "لقد نظرت إليه وهو يحاول تفجير نفسه". وبثوان فكرت إذا كنت ميتًا الآن، فمن أنا؟"
ركض ووجد ملجأ خلف الحائط. لكن صديقه المقرب واصدقاء اخرين كانوا قد قتلوا بالفعل.
لم يغادر احمد منزله للأشهر الستة المقبلة. قال "أنا جالس في المنزل وأصبحت أكثر سمنة". كنت خائف من كل شيء. كنت أنتظر المجهول، الموت، ربما".
لكنه يتذكر تفكيره لمدة ثانيتين خلال وقت التفجير الانتحاري: من أنا؟ لقد اتخذ القرار واكون الشخص الذي سيقول ما يريد.
نقل عائلته إلى الأردن، وأثناء عمله كصحفي، جرب البرامج الساخرة، وفي عام 2014 ، بدأ "البشير شو".
ارفد العرض الاحتجاجات، البشير ليس الوحيد الذي يتحدث عنهم، ولكن لأنه برنامج كوميدي ساخر، فهو الشخص الذي يشاهده الناس - وخاصة الشباب.
قراره في التحدث عن رأيه أكسبه الثقة. قال حمزوز: "لقد أصبح مهمًا عندما بدا واضحًا للغاية في رسائله". "قبل ذلك، كان يقول، "هناك مجموعة مليشيا وراء ذلك، ويسخر منها. لكنه لم يسمها أو قائدها".
لقد تغير هذا منذ ثلاث سنوات، مع حلقة رجل الدين. بدأ في تسمية الناس، حتى قادة الميليشيات. وقال حمزوز "من الصعب للغاية القول إن 100 في المائة ممن يتحدثون بذلك يتم قتلهم أو خطفهم". "عرضه كسر الخوف".
كما يعطي العرض الاحتجاجات المزيد من قوة البقاء. بالنسبة للأشخاص الذين يخاطرون بالرصاص يوميًا، من المهم معرفة أن الحكومة لا يمكنها إخفاء وحشيتها. بنفس القدر من الأهمية، تستمر الاحتجاجات فقط طالما أن الناس يشعرون بالبطولية والفخر، ويشعرون كما لو أنهم يحدثون فرقًا.
يقول البشير: "لن يتغير العراق فقط مع وزراء جدد". يجب أن يتغير النظام بأكمله. عندها سيتغير العراق".

}