2019-10-23 16:50:43

شفق نيوز/ كشف تقرير نشرته صحيفة ”نيوزويك“ الأمريكية، أن انسحاب الولايات المتحدة من شمال سوريا، لم يكن ببساطة نتيجة لقرار مفاجئ من قِبل الرئيس دونالد ترامب، بل نتاج تحول طويل ومنتظم في ميزان القوى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تلعب روسيا والصين أدوارًا قيادية جديدة.
كان التسليم الأخير للمواقع العسكرية الأمريكية في مدينة منبج الشمالية في سوريا للقوات الروسية، لحظة رمزية تسلط الضوء على هذه التغييرات في المنطقة؛ إذ انتقلت القوات السورية والروسية إلى عدة مراكز عسكرية كانت تحت سيطرة البنتاغون في السابق.
ومع اقتراب انتهاء اتفاقية وقف إطلاق النار التي توسطت فيها واشنطن بين القوات التي تقودها تركيا والقوات الكوردية، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الذي اجتمع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أمل التوصل إلى حل دائم لمشكلته مع القوات الكوردية، إذ يحاول الرئيس الروسي إثبات قدراته كصانع سلام في المنطقة بإنهاء الصراع المستمر منذ عقود.
وقال ”مكسيم سوشكوف“، خبير في المجلس الروسي ومحاضر بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية: ”تعتبر الأيام القليلة الماضية بداية حقبة جديدة في سياسات الشرق الأوسط“.
وأضاف: ”عززت روسيا بالفعل من صورتها كوسيط أجنبي فعال وسمسار قوى بارز في المنطقة واكتسبت بعض الفرص على أرض الواقع في سوريا، لكن لم تستفد منها بعد“.

توقيت إستراتيجي
ووفق التقرير، كان توقيت تدخل روسيا في خريف 2015 في سوريا إستراتيجيًا لعدة أسباب، إذ أتت روسيا في الوقت المناسب لتعزيز القوات المحاصرة للرئيس السوري بشار الأسد، والميليشيات المتحالفة معها، ونشرت قواتها بمساعدة إيران، وواجهت انتفاضة مليئة بالمتطرفين، خاصة مع بدء الولايات المتحدة إعادة التفكير في تحالفها مع المعارضة التي يهيمن عليها المتطرفون وتحالفها مع القوات الديمقراطية السورية التي يقودها الكورد من أجل محاربة تنظيم داعش.
وأبدت موسكو في وقت مبكر شكوكها حيال خطط واشنطن في سوريا، وهي واحدة من دولتين قوبلت فيهما احتجاجات ”الربيع العربي“ لعام 2011 بقمع حكومي، وانحدرت لحرب أهلية.
وكانت الدولة الأخرى ليبيا، بقيادة معمر القذافي الذي تمت إدانته في الغرب مثل الأسد بسبب جرائم حرب مزعومة، وفي غضون أسابيع، عرضت الولايات المتحدة دعمها لحلف الناتو الذي فرض منطقة حظر جوي لدعم المتمردين وضرب في نهاية المطاف قافلة كانت تنقل القذافي نفسه.
وسرعان ما تم إلقاء القبض على الزعيم الليبي وإعدامه من قِبل المتمردين الليبيين، تاركًا الفصائل المتحاربة تتنافس على قيادة البلاد التي لا تزال مقسمة بين الحكومات المتنافسة حتى الآن.
وامتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا، وعندما رأت ما حدث للقذافي، سعت لضمان بقاء الأسد في سوريا، والتي تعتبر شريكة روسية منذ الحقبة السوفيتية وتستضيف قاعدتين عسكريتين روسيتين على الأقل على طول البحر المتوسط، ومع قلب القوات الروسية لمجرى الحرب، انضمت تركيا إلى روسيا وإيران في محادثات السلام الثلاثية لتأمين بعض النفوذ للمعارضة.
ومن جانبها قاطعت واشنطن هذه المحادثات، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى رفضها للأسد وعدائها لطهران، وأظهرت مشاهد تولي القوات الروسية السيطرة على المواقع العسكرية الأمريكية المهجورة في سوريا، واجتماعات بوتين العديدة مع القادة الإقليميين بما في ذلك أردوغان، كيف تستولي موسكو على زمام الأمور بالكامل في سوريا.

نقص الموارد
ويضيف التقرير أنه ”مع ذلك يقول الخبراء إن هذا ليس صحيحًا، إذ قال سوشكوف: لا تخطط موسكو لامتلاك الشرق الأوسط، فهي لا تملك الموارد اللازمة لفعل ذلك، بل تهدف لعبة روسيا الإستراتيجية لبناء نظام عالمي متعدد المراكز لا يخضع لهيمنة الولايات المتحدة وتلعب فيه المزيد من الدول غير الغربية دورًا حيويًا“.
وشرح: ”تؤكد التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط هذا الهدف. وعلى المستوى التكتيكي، تلعب روسيا لعبتها الخاصة وجميع الحركات التي تقوم بها تسعى إلى جلب الاستثمارات الاقتصادية ومبيعات الأسلحة إلى موسكو فضلًا عن تعزيز مواقفها من خلال الوساطة الدبلوماسية“.
وأكد ”صموئيل راماني“، باحث في جامعة أكسفورد، على هذه النظرية، وقال: ”هناك اعتقاد خاطئ شائع بأن روسيا تحاول استبدال الولايات المتحدة، ولكن الواقع هو أن روسيا لا تحاول أن تكون الضامن الأمني“.
وأوضح: ”ما نراه هو نظام ثلاثي الأقطاب في الشرق الأوسط، تلعب فيه الولايات المتحدة دور الضامن الأمني، وتبرز فيه الصين كقوة اقتصادية رئيسية في المنطقة وتعتبر روسيا الجهة الدبلوماسية الفعالة الوحيدة القادرة على تخفيف حدة التوترات، فروسيا لا تحاول منافسة الصين من الناحية الاقتصادية، وليست لديها الموارد الكافية لمنافسة الولايات المتحدة عسكريًا، بل تهدف للسيطرة على دور حلال الأزمات بالدبلوماسية“.
ومنذ بداية دخولها إلى النزاع السوري لصالح دمشق، حافظت موسكو على قنوات الاتصال مع كل فاعل رئيسي في المنطقة، بما في ذلك إيران، والتي كانت تدعم الأسد بالفعل، إضافة إلى خصمي طهران الرئيسيين، إسرائيل والمملكة العربية السعودية، واللذين كانا يدعمان المعارضة، وفق التقرير.

عملية أستانا
وعززت عملية أستانا التي جمعت تركيا وإيران معًا مكانة روسيا كوسيط، حيث جمعت ممثلي الحكومة والمعارضة، في حين تم استبعاد القوات الديمقراطية السورية من المحادثات التي تدعمها الأمم المتحدة من مناقشات تشكيل دستور سوري جديد، إلا أن موسكو حافظت على علاقاتها مع القوات الكوردية بشكل منفصل، ومنذ ذلك الحين لعبت دورًا رئيسيا في تسهيل محادثاتها مع دمشق في أعقاب الغزو التركي.
وقال راماني: ”أصبحت روسيا الدولة الوحيدة التي يمكنها التحدث مع الجميع، وهي تفعل ذلك مع إسرائيل وإيران، ووحدات حماية الشعب والجيش السوري، وهي تنجح بالفعل في الجمع بين الخصوم على طاولة المفاوضات“، مشيرًا إلى أن روسيا ساعدت المملكة العربية السعودية وإيران على التوصل لتسوية، وقد توسع دورها في الأزمات التي تؤثر على ليبيا واليمن.
لطالما كانت الحكومات السنية في شبه الجزيرة العربية شريكًا داعمًا للسياسة الخارجية الأمريكية، واعتنقت بسهولة نهج ترامب المعادي لإيران، ولكن مع وقوع الهجمات على ناقلات ومنشآت النفط السعودية، بدت روسيا كوسيط أفضل من الولايات المتحدة التي أججت النزاع.
وشرح راماني: ”روسيا تستثمر الكثير في القوة الناعمة وتناشد الزعماء والشعوب العربية، فهي لا تتدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان فيما يتعلق بحقوق الإنسان والسلطوية، بل تهتم أكثر بتحضر الدولة بدلًا من طبيعتها“.
وفي الوقت الذي تضغط فيه موسكو على جامعة الدول العربية لعكس تعليقها لعضوية سوريا في عام 2011 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة، يقول راماني إن روسيا تعمل على إشراك الدول العربية في سوريا كإجراء وقائي ضد إيران وتركيا، وهما دولتان غير عربيتين، تمدان نفوذهما في بلد عربي مزقته الحرب الأهلية.

الشريك الصامت
وفي تلك الأثناء، تلعب الصين دور الشريك الصامت في تطوير الديناميكية الدولية في المنطقة، إذ يُعتبر الشرق الأوسط، وهو مفترق طرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بمثابة نقطة مهمة في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي سعى من خلالها إلى إنشاء شبكة عابرة للقارات من مشاريع البنية التحتية.
قد تكون إعادة إعمار سوريا فرصة كبيرة لتوسيع الاستثمار الصيني في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وبالإضافة إلى استضافة المنشآت العسكرية الروسية، وقد يشهد ميناءا طرطوس واللاذقية السوريان استثمارات صينية كبيرة قريبًا، فضلًا عن ان بكين تتطلع إلى الاستثمار في ميناء طرابلس اللبناني، وتستثمر بالفعل في ميناء حيفا الإسرائيلي في أقصى الجنوب على البحر المتوسط.
ويحدد الموقع الإلكتروني الرسمي لمبادرة ”الحزام والطريق“ العالمية حوالي 138 دولة دخلت في شكل من أشكال التعاون مع الصين، وتنظر الولايات المتحدة إلى ذلك باعتباره تهديدًا كبيرًا لهيمنتها الاقتصادية، خاصة في الوقت الذي تخوض فيه بكين وواشنطن حربًا تجارية عالمية من الرسوم الجمركية.
وتمكنت الصين أيضًا من عقد صفقات بمليارات الدولارات مع السعودية والإمارات، على الرغم من كونها شريك إيران التجاري الأول في تحد للعقوبات الأمريكية، كما رحبت بكين بدعوة موسكو لإقامة إطار أمني إقليمي يشبه الإطار الإيراني المسمى ”التحالف من أجل الأمل“ أو مبادرة هرمز للسلام، والمصمم للجمع بين إيران والجيران العرب وضمان الاستقرار في وحول مضيق هرمز، الذي يعتبر نقطة رئيسية في حركة نقل النفط البحرية للعالم، وشريان الحياة للصين.
وربما يكون أكثر ما يضيف إلى ارتفاع مكانة روسيا والصين على الساحة العالمية، هو ميل البلدين إلى التعاون بدلًا من المنافسة، على الأقل في هذه المرحلة من علاقاتهما، والتي يعتبرها كلاهما ”الأفضل في التاريخ“.
وفي ضوء أن حالة التدريبات البحرية الروسية- الإيرانية – الصينية المشتركة القادمة في المحيط الهندي مازالت غير واضحة، استفادت بكين من الوتيرة غير المسبوقة من التدريبات المشتركة مع موسكو، كما كانت تسعى إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي مع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي الذي أصبحت إيران عضوًا فيه.
وبعد ما يقرب من عقدين من الصراع الطويل في الشرق الأوسط، يجسد ترامب التعب الأمريكي مما أسماه ”الحروب الأبدية“، ودافع عن قراره بالانسحاب من سوريا الأسبوع الماضي، باقتراح أن تساعد روسيا أو الصين أو حتى نابليون بونابرت سوريا بدعم القوات التي يقودها الكورد ضد تركيا، ولكن لم يتضح بعد ما إذا كان بإمكان القوتين الصاعدتين النجاح في الإحلال بدل الولايات المتحدة المنسحبة.

FaceIraq
}