حكومة الكاظمي وسياسة إحتواء فصائل اللادولة

Category: مقـالات

Date: 2020-07-28T11:57:39+0000

بعد تراكم حلقات الفشل الحکومي خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب تحکم السياسة التقليدية والدين السياسي العاجز والغير مؤهل إدارياً بمستقبل ومصير العراق و بعد تدهور الوضع الاقتصادي والخدماتي بشکل مزري إندلع في تشرین من العام2019  حراك إحتجاجي يقوده شباب مغترب عن كل أنواع الايديولوجيا والمنتمي لفكرة الوطن المرتجى والحق المستلب في بغداد ومحافظات الجنوب بهدف التغيير وإبعاد المنظومة السلطوية الفاسدة وإنهاء الشبكات الزبائنية القابضة على عنق الدولة. 

هذا الحراك الشعبي الذي تمکن بديمومته وثباته وسلمیته و تنظيمه المحکم أن يفرض على السياسيين سماع صوته، لم يكتفي فقط بإستقالة رئیس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي، بل أصر علی "تنحية جميع رموز الفساد" في حکومته. 

وحتی حکومة السيد مصطفی الكاظمي، التي جاءت نتیجة هذا الحراك والمظاهرات والإنتفاضة العراقية الغير متحزبة، تلك التي فرضت واقع جديد في العملیة السياسية، لكي یکون هناك رئیس وزراء عراقي غیر تابع للأحزاب الدينية أو لأية کتلة أو حزب سياسي آخر، رغم أن حکومته أتت أخيراً من رحم النظام الإثنو- طائفي أو مايسمی بنظام المحاصصة والمغانـمة الحزبية لتحقيق مصالح تلك الأحزاب، يری نفسه اليوم أمام نفس المعضلة أو الفخ الذي وقع فیه حکومة السيد عادل عبدالمهدي. فالسيد الكاظمي اليوم، رغم المدة التي منحت لە لإجراء التغيير المطلوب وتحقيق المطالب الشعبية، غير قادر علی تحديد موعد لإنتخابات مبکرة ولا بإستطاعته الكشف عن أسماء قتلة المتظاهرين أو علی الأقل القيام بإلقاء القبض علی بعض منهم. 

فالخطوات التي قام بها حکومته لإصلاح النظام السياسي، مثل فرض سيادة الدولة على المنافذ الحدودية والموانئ، ومنع سيطرة المتنفذين على المال العام وبعض التغييرات في مفاصل الأجهزة الأمنية، لاتعتبر کافية بالنسبة للمتظاهرين العطشی للحرية والأمن والإستقرار ليثبت من خلالها جدیته في تنفيذ مطالبهم. فإعادة احياء نظام حكم مستقر ومستدام وإعادة تشكيل مفردات السياسة الخارجية العراقية من أجل الدخول في تفاعلات أمنية واستراتيجية مع دول الجوار الجغرافي وتفعیل الدستور المعطل منذ عام 2010 وإيقاف الخروقات القانونیة وحل المشاکل العالقة بينإقلیم کوردستان والحکومة الإتحادية بالحوار وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ الفصائل اللادولتية الموالية للقوی الإقليمية المنتهکة لهيبة الدولة، وعلی رأسها حزب الله، وسيطرتها علی الكثير من مفاصل الدولة وإبعادهم عن سلطة القرار العراقي والإسراع بتشريع قوانين تحمي حرية التعبير وتقديم الفاسدين للعدالة و محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين هي مطالب مشروعة من قبل الجیل المنتفض، قد تؤدي تحقيقها و ضمانها الی إلتفاف قاعدة إجتماعیة وجماهيرية وفاعلين سياسيين بل وحتی مثقفين عضويين حول حکومته.

هناك من يری أن حکومة السيد الكاظمي لاتبادر بإستیلاد الجديد ولاتمهد السبيل الی ذلك، فيوصفون زیارته الأخيرة الی طهران برحلة نحو المجهول وسط متغيرات عاصفة معلومة، بأعتبار أنها كشفت عجزه الإدراكي لاستيعاب مفهوم السيادة الوطنية أو الدولتية. 

أما التخاذل والتواطؤ حیال أجندات خارجية مفروضة، بدل إقامة علاقات مع الفواعل الاقليمين والدوليين، بما يتناسب مع مصالح وقدرة العراق وإستخدام أوهام ورقة الإحتواء الفاشلة بدل واقعیة سياسة التصدي الحازم و العودة الی التفاوض مع أقطاب الفساد وفصائل اللادولة والنخب السياسية التي نهبت ثروات العراق و ساهمت في هدم بناءه بحجة إستخدام سياسة الإحتواء بدلاً من تفكیك المنظومات الفاسدة، هو نوع من الإرضاء السیکولوجي للذات، قد يکون مآله الإستسلام وإنهاء مفهوم الدولة الوطنية لأمد غير محدود. 

فالمنظومات الفاسدة تعتبر سياسة الإحتواء، التي يريد السيد الكاظمي أن يتبناها، فرصة ذهبية لإعادة هیکلتها. فبواسطتها تستطيع العیش لمدة أطول وتمدد سلطتها وتنجح أخيراً في عملیة إحتواءها الحکومة لا العکس. 

إذا أراد السيد مصطفی الکاظمي أن ينجح في مهمته وأن لاتکون حکومته حکومة هدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، علیه أن يتخذ قراراته بأسم العراق ودستوره وسلطته القضائیة وقوة المتظاهرين العراقيین لإنهاء مهزلة اللادولة، فإنه بحسب المعطيات الحالية سوف يجد آذان صاغيَة ودعم كبير ليس فقط من جماهير العراق والجيل الشبابي المتنتفض، بل من جميع بلدان العالم الحر أيضاً.